الشيخ محمد رشيد رضا

211

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتحول السلطان إلى الأعاجم الذين لم يكن لهم من الاسلام الا الظواهر التقليدية المنفصلة عن هداية القرآن ( الركن الثاني من أركان الدين عقيدة البعث والجزاء ) وأما الركن الثاني وهو الايمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث والحساب والجزاء على الاعمال ، فقد كان جل مشركي العرب ينكرونه أشد الانكار ، ولا يكمل الايمان باللّه تعالى ويكون باعثا للأمة على العمل الصالح وترك الفواحش والمنكرات والبغي والعدوان بدونه ، وكان أهل الكتاب وغيرهم من الملل التي كان لها كتب وتشريع ديني ومدني ثم فقدت كتبهم أو حرفت واستحوذت عليهم الوثنية يؤمنون بحياة بعد الموت وجزاء على الاعمال ، ولكن ايمانهم هذا قد شابه الفساد ببنائه على بدع ذهبت بجل فائدته في إصلاح الناس ، وأساسها عند الهنود وغيرهم من قدماء الوثنيين وخلف النصارى وجود المخلص الفادي الذي يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه ، وهو الأقنوم الثاني من الثالوث الإلهي الذي هو عين الأول والثالث ، وكل واحد منهما عين الآخر . وكل ما يقوله النصارى في فداء المسيح للبشر وغير ذلك فهو نسخة مطابقة لما يقوله الهنود في كرشنة في اللفظ والفحوى كما تقدم ، لا يختلفان إلا في الاسمين كرشنة ويسوع . وأما اليهود فكل ديانتهم خاصة بشعب إسرائيل ومحاباة اللّه تعالى له على سائر الشعوب في الدنيا والآخرة ويسمونه إله إسرائيل كأنه ربهم وحدهم لا رب العالمين ، وديانتهم أقرب إلى المادية منها إلى الروحية ، فكان فساد الايمان بهذا الركن من أركان الدين تابعا لفساد الركن الأول وهو الايمان باللّه تعالى ومعرفته ومحتاجا إلى الاصلاح مثله جاء القرآن للبشر بهذا الاصلاح ، فقد أعاد دين النبيين في الجزاء إلى أصله المعقول وهو ما كرم اللّه تعالى به الانسان من جعل سعادته وشقائه منوطين بايمانه